علي بن عبد الكافي السبكي

366

فتاوى السبكي

القاعدة الثانية أنه لا بد في الإيمان من اعتقاد جازم مصمم بحيث لا يتشكك والدليل على ذلك قوله تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون قال الواحدي في تفسيرها أجمع أصحابنا أن شرط الإيمان طمأنينة القلب على ما اعتقده بحيث لا يتشكك إذا أشكل ولا يضطرب إذا حرك لقوله وهم يعلمون قال إبراهيم فشهد وهو يعلم أنه كذلك وقال مجاهد يعلمون أن الله ربهم انتهى قول الواحدي وكثير من المتكلمين يستدلون بقوله تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله بناء على أنه أمر بتحصيل العلم ويحتمل أن يقال إن المقصود به الإعلام لا الأمر فإن هذه الصيغة تستعمل كثيرا في ذلك فنقول اعلم كذا أي اعلمه من جهتي ومعناه أعلمك كذا والآية الأولى دلالتها ظاهرة والعلم لا يطلق إلا على الجازم ولا يطلق على الظن ولا على الشك ولا على الوهم فكذلك لا يحصل الإيمان بشيء من الظن والشك وإنما يحصل بالجزم لكن الجزم تارة يكون عن دليل أو علم ضروري ولا إشكال في صحة الإيمان بذلك أما عن دليل فبلا خلاف وأما عن العلم الضروري فهو المختار فإنه قد يحصل ذلك لبعض أهل العناية ونازع فيه بعض المتكلمين فقال إنه لا يحصل بالضرورة وتارة يكون الجزم من غير ضرورة ولا دليل خاص كإيمان العوام أو كثير منهم فهو إيمان صحيح عند جميع العلماء خلافا لأبي هاشم ويسمى علما في عرف كثير من الناس وإن كان بعض المتكلمين لا يسميه علما إذا عرفت هاتين القاعدتين فنرجع إلى المقصود ونقول المؤمنون طبقتان أعلاهما أهل المعرفة وهم العلماء العارفون وأدناهما أهل العقيدة وهم العوام المعتقدون وإن شئت قلت الناس في اعتقاد الإيمان على ثلاث طبقات العليا أهل المعرفة والوسطى أهل العقيدة مع التصميم والدنيا من لم يحصل عنده تصميم ولكنه قلد فيه كما يقلد في الفروع وهذا لا أعلم أحدا صرح بأنه يكفي إلا ما يقتضيه إطلاق النقل عن بعض الفقهاء وعن العنبري حيث قال بجواز التقليد في العقليات وقال إن كل مجتهد مصيب والجمهور على خلافه وعلى أنه لا يكتفى في الإيمان إلا بعقد مصمم فلنسقط هذه الفرقة من طوائف المؤمنين ونعلم أن المؤمنين طبقتان لا غير إحداهما العارفون